نستكمل مقالات العزيز محمد عبد القهار عن تعريف السلفية.
السياسة وفرق ثلاث:
تمثل الفرقة الأولى في التيارات السلفية هي فرقة الطاعة التامة و يمثلها في مصر الشيخ أسماة القوصي صاحب الشعارات الشهيرة "إمام غشوم خير من فتنة تدوم"، و"إمام ظالم وجائر يضرب ظهور الناس ويأخذ أموالهم خير من فتنة تدوم"، ويدعو إلى محاربة المظاهرات والإضرابات والقلاقل والانقلابات؛ لأن أهل البدع لا يعيشون إلا في إثارة الفتن، وأهل السلف يدعون إلى الأمن والأمان. و يتساءل القوصي كذلك ماذا يستفيد الناس من مهاجمة الحكام والسلاطين؟ أصلح نفسك أولا وبيتك.. نحن تتحدث عن إصلاح الكون ولا نحسن الوضوء وخلافاتنا الدائرة في بيتنا لا نستطيع إصلاحها.. فلنبدأ حيث بدأ النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).إلى هنا نرى أنه يتفق مع السلفية التقليدية لكن التمايز يظهر في قوله كذلك: فبما أنه ليس لأحد أن يخرج عن فتوى علماء البلد الرسميين؛ لأن هذا نظام جمهورية مصر العربية، فإن فوائد البنوك حلال ليس لأنه يرى أنها حلال، بل لأن مفتي البلاد قال ذلك، وعندما يحلل المفتي البنوك فليس لأحد منا أن يفتات أو أن يخرج عليه "ومن يقدح في الشيخ علي جمعة -حفظه الله وأطال عمره وحسن من عمله- فهو على طريق يشبه طريق الخوارج ".إلى هنا نرى أن أولوية العمل من إصلاح الأفراد و تربيتهم عند هذا التيار خرجت من حيز الواقعية و البراجماتية إلى حيز الاعتقاد و الإيمان بأن هذا السلوك هو الأمثل لأن المقابل هو فتنة لا تدوم يعيش فيها أصحاب البدع و يسلك فيها المعترضون مسلك الخوارج.لا يكف هنا هذا التيار الممثل في القوصي كذلك الهجوم على الرموز السلفية الأخرى و الحديث وفق الهوى الرسمي بل وصلت موالاته للخط الرسمي أن قال عن الرئيس الأمريكي: "أوباما رجل متسامح.. رجل عاقل، وهو من بلد فيه اختلاف وفيه تعدد، نسأل الله أن يسخره، وأن يجعله سببا في الأمن والسلام في العالم، وأن يجعله سببا في إنشاء دولة فلسطينية يعيش فيها الفلسطينيون آمنين مستأمنين".يتقابل كذلك مع التيار "القوصي" تيار أنصار السنة الذي بلغ بإحدى فروعه في أيام الانتخابات الرئاسية أن علقت لافتة تبايع فيها أمير المؤمنين في مصر محمد حسني مبارك ! و إن كانت هذه الجماعة لم تصل إلى مرحلة الممالأة التي وصل إليها القوصي رغم التقارب مع المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر و الأوقاف في بعض النشاطات.
نأتي للفرقة الثانية و هي الفرقة التي تتبنى خيار العنف المسلح و ترى أن الجهاد فرض عين على كل مسلم ليس فقط ضد المحتلين الأجانب لكن كذلك ضد من يسمونهم بالمرتدين و هم يشملون الجنود و الموظفين و السياسيين و غيرهم و يكفر بعضهم عوام المسلمين بينما البعض الآخر يقولون بالتضحية ببعض المدنيين الأبرياء في سبيل قتل من المرتدين و المحتلين و غيرهم فيما يعرف بقتوى التترس ، لكن هناك تيار يقيد استخدام فتوى التترس هذه إلى أضيق نطاق مثل الشيخ المقدسي الذي أخذ على الزرقاوي نهجه في عملياته في العراق و قدم إليه ما يعرف بالمناصرة و المناصحة و دعاه إلى تحديد نطاق جهاده إلى ما سماهم بالأعداء و عدم الاستهانة بدماء عوام المسلمين.إذا نحن هنا امام فرقة تؤمن بالجهاد كفرض عين و تقوم بالأعمال العسكرية الفردية أو المخططة على نطاق ضيق أي ليست كما قلنا تماثل تنظيم أي حركة مقاومة تقليدية إلى جانب قيام بعضها بتكفير الحكام و استخدام العنف ليس في البلاد المحتلة فحسب بل في غيرها كذلك.
أما الفرقة الثالثة فهي الفرقة التي يقتصر نشاطها على ذات أعمال الفرقة الأولى لكن من خلال الواقعية و البراجماتية لا يقولون أن فتوى المفتي واجب طاعتها بل هم يعارضون ما يعارض منهجهم و يسعون لمنهج إصلاحي متكامل كما يقول الشيخ ياسر برهامي في حوار مطول يوضح هذا المنهج في الإصلاح بجانب الأنشطة الدعوية و الخيرية و الاجتماعية:
"وكالسعي إلى إيجاد نظام المال الإسلامي، لإبعاد الناس عن الربا والريبة وسائر المعاملات المحرمة، وكذا تربية الأمة على روح الجماعة برد الناس إلى أهل العلم منهم وجمعهم عليهم ونهيهم عن التفرقة ، وكذا إقامة الجهاد في سبيل الله، طالما وجدت مقوماته وشروطه والسعي إلى أسبابه عند العجز عنه، وما قام به المسلمون في بلادهم التي احتلها الأعداء عبر التاريخ هو من أعظم الواجبات والقربات.
وكذلك تعليم الناس لزوم التحاكم إلى الشرع، برد موارد النزاع إلى أهل العلم الذين يجب وجودهم والسعي إلى إيجادهم في كل مكان وفض الخصومات وفق الكتاب والسنة، بعيدًا عن القوانين المخالفة للشريعة التي يكون الرضا بالتحاكم إليها تحاكما للطاغوت.
وهذه وغيرها من فروض الكفاية كإقامة الجمع والجماعات والأعياد يمكن للمسلمين إذا اجتمعوا وتعاونوا على إقامتها كما أمرهم ربهم فقال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)(المائدة: 2)، أن يقوموا بأضعاف ما يقومون به الآن من غير مفسدة ولا مضرة بإذن الله، وما قاوموا به من الحق كان سبباً لتمكين الله لهم مما عجزوا عنه فإن الطاعة سبب للطاعات.
ثالثًا: كيفية إقامة الدين: وأما نهاية المطاف وكيف تقام دولة الإسلام بعد ذلك فنحن لا نوجب على الله أمرا معينًا نعتقد حتميته ولزومه، وأنه لا سبيل سواه، بل قد قص الله علينا من قصص أنبيائه ورسله من آمن قومه كلهم بدعوته بالحكمة والبيان، قال -تعالى-: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} (الصافات:147-148)، ومنهم من نصره الله بإهلاك أعدائه بقارعة من عنده أو بأيدي الرسل وأتباعهم، وقد جعل -سبحانه وتعالى- في سيرة نبينا -صلى الله عليه وسلم- هذه الأمور أيضًا، ففتح الله عليه المدينة بالقرآن، وكذا فتح عليه البحرين واليمن وكثيرًا من جزيرة العرب، كما فتح عليه مكة بالسنان، وفتح على أصحابه العراق وما وراءه والشام ومصر وغيرها بالسنان كذلك، وله الحمد سبحانه على كل حال.
فالتمكين منة من الله، ووعد غايته تحقيق العبودية لله -للفرد وللأمة-، والأخذ بالأسباب المقدورة لنا واجب علينا والنصر من عند الله لا بالأسباب، قال -تعالى-: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور:55)، وقال -سبحانه-: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء:105)، وقال -سبحانه-: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (التوبة:33)."
إذا فنحن هنا حين نسمع قول هذه الفرقة أنهم لا يشتغلون في السياسة فهذا اللفظ إذا يدل عندهم على المؤتمرات و الإضرابات و المظاهرات و الاعتصامات و قول هذه الفرقة عن الإضراب ليس كما تقول الفرقة الأولى أنه نهج خوارج و أصحاب بدعة لكن حسبما يقول برهامي : -ولدت هذه الوسائل في بيئات ومجتمعات تختلف عن مجتمعاتنا اختلافا كبيراً، وأيضا تختلف في قوى التأثير في المجتمع، ولا شك أن لها أثرًا كبيرًا عندهم، لكن في مجتمعاتنا لا تزال هذه الوسائل إما منعدمة الأثر أو ذات أثر ضعيف وقتي لا يستمر، وإما ذات أثر عكسي، وهذا هو الأغلب، خصوصًًا في حق الإسلاميين المعارضين، ولا يغرنك ما يُسمح به من بعض هذه الوسائل ويـُظهر للناس أنه قد أثـَّر إيجابيا؛ فإن عامة ما كان كذلك يكون بتنسيق وترتيب حسب أجندة مصالح مشتركة، وليس من معارضة حقيقية.
---
يـُتبع بالجزء الثالث والأخيـر قريبـًا إن شاء الله.






