عندما طلب مني (كريم حنفي) مشاهدة الفيلم المذكور بالعنوان أعلاه طبقـًا لفعاليات مدرسة السينما بجيزويت القاهرة التي أفتخر بأني واحد من طلبة دفعاتهـا حاليـًا، لم يكن لديّ سوى توقعات الألوان والإيقاع التي طلب منا التركيز عليهما أثناء مشاهدة الفيلم للتعلـُّم، إلاّ أني رغمـًا عني قد ذبت داخل الفيلم، لأقوم من كرسي المخرج المبتدئ الذي "يذاكر" إلى فراغ المشاهدة الأولى الجميل، الشعور الذي لا ينتابني كثيرًا رغم أن الفيلم بشكل عام لا ينتمي لذوقي.
أول ملاحظاتي بأن مخرج الفيلم البولندي (كريستوف كيسلوسكي) لديه إحساس قوي بالألوان وتوظيفهـا، وأن هناك خطة محكمة للألوان بكل مشهد لديه بالتوازي مع كتابة السيناريو والديكوباج وما إلى ذلك. داخل قصة (فيرونيكا) البولندية و(فيرونيك) الفرنسية الفانتازية، الأثنين اللتين يشبهان بعضهما في الشكل وبعض الطباع وتعيشان كل منهما في مكان مختلف دون دراية بالأخرى إلاّ عن طريق صدفة غريبة.
(فيرونيكا) البولندية التي نعيش معها لفترة قصيرة في أحداث الفيلم مغنية ذات صوت ملائكي، تحمل حبـًا للحياة وبراءة استكشافية جميلة تبدو من نظراتها التي أجادتها بشدة بطلة الفيلم (إيرين جاكوب) والتي نالت عن الدورين جائزة أفضل ممثلة بمهرجان (كان) الفرنسي الشهير، والتي تنال أولى فرصهـا في الغنـاء أمام جمهور عريض بالأوبرا، لتموت فجأة وسط العرض.
ننتقل بعدها إلى (فيرونيك) الفرنسية التي تشعر بانقباض مفاجئ لا سبب له ورغبة في البكاء وقت وفاة شبيهتها، نتعرف جيدًا على طباعهـا والتفاصيل الصغيرة التي تحدث لهـا بالتطابق مع شبيهتها والتي برع فيها المخرج مع كاتب السيناريو (كريستوف بيسكويتز) - رفيقه الذي شاركه بأغلب أفلامه - بتكرار العناصر التي تحدث للأثنين (على سبيل المثال: التعثر أثناء المشي بالشارع، الوقوع في الحب لأول مرة مع غريب، رقم الغرفة التي سكن فيها حبيب الأولى بالفندق الصغير هو ذات رقم الغرفة التي سكنت فيها الثانية وسط الأحداث، ظروف الأثنتين العائلية المتطابقة من وفاة الأم وتربية الأب لهما، مقابلتهما لسيدة عجوز حدباء بالشارع تبدو وكانها من الرموز التي يحب (كسيلوسكي) تكرارهـا في أفلامه). حتى نتابع ببعض من الفضول مصير (فيرونيك) ونتساءل عن الاختيارات الحياتية التي تصنعها، هل ستؤدي لنفس مصير شبيهتها؟
الفيلم تجربة بصرية رائعة من ناحية الألوان والسينماتوجرافيا، أغلب اللقطات يمكن تثبيتها لصناعة خلفية لا بأس بها لجهاز الكمبيوتر لديك، المفهوم البصري للمخرج مختلف ومتطور بشدة. فيلم ينصح به للمشاهدة لجميع محبي السينما ببساطة.


